سيد محمد طنطاوي
137
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله : * ( كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً ) * ، تشبيه بليغ . والطرائق : جمع طريقة ، وهي الحالة والمذهب . وقددا : جمع قدّة ، وهي الفرقة والجماعة من الناس ، الذين تفرقت مشاربهم وأهواؤهم . والجملة الكريمة بيان وتفسير لما قبلها . أي : وأنا في واقع أمرنا منا الصالحون الأخيار . . . ومنا من درجته ورتبته أقل من ذلك بكثير أو بقليل . . . فنحن في حياتنا كنا قبل سماعنا للقرآن كالمذاهب المختلفة في حسنها وقبحها ، وكالطرق المتعددة في استقامتها واعوجاجها . . . أما الآن فقد وفقنا اللَّه - تعالى - إلى الإيمان به ، وإلى إخلاص العبادة له . . . ومن وجوه البلاغة في الآية الكريمة ، أنهم قالوا : * ( ومِنَّا دُونَ ذلِكَ ) * ، ليشمل التعبير من هم دون الكمال في الصلاح ، ومن هم قد انحدروا في الشرور والآثام إلى درجة كبيرة ، وهم الأشرار . والمقصود من الآية الكريمة ، مدح الصالحين ، وذم الطالحين ، ودعوتهم إلى الاقتداء بأهل الصلاح والتقوى والإيمان . ثم حكى - سبحانه - ما قالوه بشأن عجزهم المطلق أمام قدرة خالقهم فقال : * ( وأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّه فِي الأَرْضِ ، ولَنْ نُعْجِزَه هَرَباً ) * . والظن هنا بمعنى العلم واليقين . وقوله : * ( نُعْجِزَه ) * من الإعجاز ، وهو جعل الغير عاجزا عن الحصول على ما يريد . وقوله * ( فِي الأَرْضِ ) * و * ( هَرَباً ) * في موضع الحال . أي : وأننا قد علمنا وتيقنا بعد إيماننا وبعد سماعنا للقرآن . . . أننا في قبضة اللَّه - تعالى - وتحت قدرته ، ولن نستطيع الهرب من قضائه سواء كنا في الأرض أم في غيرها . فقوله : * ( فِي الأَرْضِ ) * إشارة إلى عدم قدرتهم على النجاة من قضائه - تعالى - مهما حاولوا اللجوء إلى أية بقعة من بقاعها ، ففي أي بقعة منها يكونون ، يدركهم قضاؤه وقدره . وقوله : * ( ولَنْ نُعْجِزَه هَرَباً ) * إشارة إلى أن هربهم إلى السماء لا إلى الأرض ، لن ينجيهم مما يريده - سبحانه - بهم . فالمقصود بالآية الكريمة : إظهار عجزهم المطلق أمام قدرة اللَّه - تعالى - وعدم تمكنهم من الهرب من قضائه ، سواء ألجأوا إلى الأرض ، أم إلى السماء . وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله - تعالى - : وما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّه مِنْ وَلِيٍّ ولا نَصِيرٍ .